مجمع البحوث الاسلامية

200

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

أيضا » فقد رواه الحاكم عن عائشة بلفظ « لا يغني حذر من قدر » وصحّحه ، وما أراه يصحّ وتساهل الحاكم في التّصحيح معروف ، والرّازيّ ليس من رجال الحديث ، ولكنّه رأى بالعقل أنّه مخالف للآية أو مضعف من تأثير الأمر فيها ، وكيف يقول اللّه : ( خذوا حذركم ) ويقول رسوله : إنّ الحذر لا ينفع ، لأنّ العبرة بالقدر الّذي لا يتغيّر . وإنّي على استبعادي لصحّة الحديث وميلي إلى أنّه من وضع المفسدين الّذين أفسدوا بأس الأمّة بأمثال هذه الأحاديث ، أقول : إنّه لا يناقض الآية ، فإنّ اللّه أمرنا بالحذر لندفع عنّا شرّ الأعداء ونحفظ حقيقتنا ، لا لندفع القدر ونبطله ، والقدر : عبارة عن جريان الأمور بنظام تأتي فيه الأسباب على قدر المسبّبات ، والحذر من جملة الأسباب ، فهو عمل بمقتضى القدر لا بما يضادّه . ( 5 : 250 - 252 ) نحوه ملخّصا المراغيّ ( 5 : 87 ) ، وعبد الكريم الخطيب ( 3 : 831 ) . سيّد قطب : إنّها الوصيّة للّذين آمنوا : الوصيّة من القيادة العليا ، الّتي ترسم لهم المنهج ، وتبيّن لهم الطّريق . وإنّ الإنسان ليعجب ، وهو يراجع القرآن الكريم ، فيجد هذا الكتاب يرسم للمسلمين - بصفة عامّة طبعا - الخطّة العامّة للمعركة ، وهي ما يعرف باسم « استراتيجيّة المعركة » ففي الآية الأخرى يقول للّذين آمنوا : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً التّوبة : 123 ، فيرسم الخطّة العامّة للحركة الإسلاميّة . وفي هذه الآية يقول للّذين آمنوا : خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً وهي تبيّن ناحية من الخطّة التّنفيذيّة أو ما يسمّى « التّاكتيك » وفي سورة الأنفال جوانب كذلك في الآيات : فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ الأنفال : 57 . وهكذا نجد هذا الكتاب لا يعلّم المسلمين العبادات والشّعائر فحسب ، ولا يعلّمهم الآداب والأخلاق فحسب - كما يتصوّر النّاس الدّين ذلك التّصوّر المسكين ! إنّما هو يأخذ حياتهم كلّها جملة ، ويعرض لكلّ ما تتعرّض له حياة النّاس من ملابسات واقعيّة . ومن ثمّ يطلب بحقّ الوصاية التّامّة على الحياة البشريّة ، ولا يقبل من الفرد المسلم ولا من المجتمع المسلم ، أقلّ من أن تكون حياته بجملتها من صنع هذا المنهج ، وتحت تصرّفه وتوجيهه . وعلى وجه التّحديد لا يقبل من الفرد المسلم ، ولا من المجتمع المسلم أن يجعل لحياته مناهج متعدّدة المصادر : منهجا للحياة الشّخصيّة ، وللشّعائر والعبادات ، والأخلاق والآداب ، مستمدّا من كتاب اللّه . ومنهجا للمعاملات الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسّياسيّة والدّوليّة ، مستمدّا من كتاب أحد آخر ، أو من تفكير بشريّ على الإطلاق . إنّ مهمّة التّفكير البشريّ أن تستنبط من كتاب اللّه ومنهجه أحكاما تفصيليّة تطبيقيّة لأحداث الحياة المتجدّدة ، وأقضيتها المتطوّرة ، بالطّريقة الّتي رسمها اللّه في الدّرس السّابق من هذه السّورة ، ولا شيء وراء ذلك . وإلّا فلا إيمان أصلا ولا إسلام ، لا إيمان ابتداء ولا إسلام ،